عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
511
اللباب في علوم الكتاب
يقال : هل عندك رجل ، أم عندك امرأة ؟ ولا يجوز أن يقال ابتداء أم عندك رجل ، فأمّا إذا كان متوسطا ، جاز سواء كان مسبوقا باستفهام آخر ، أو لا يكون ، أمّا إذا كان مسبوقا باستفهام آخر فهو كقولك : أنت رجل لا تنصف ، أفعن جهل تفعل هذا ، أم لك سلطان ؟ وأمّا الّذي لا يكون مسبوقا بالاستفهام ؛ فكقوله : ألم تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ [ السجدة : 1 - 3 ] فكذا تقدير هذا الآية : فهدى اللّه الذين آمنوا فصبروا على استهزاء قومهم ، أفتسلكون سبيلهم أم تحسبون أن تدخلوا الجنّة من غير سلوك سبيلهم . « حسب » هنا من أخوات « ظنّ » ، تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر ، و « أنّ » وما بعدها سادّة مسدّ المفعولين عند سيبويه ، ومسدّ الأول والثاني محذوف عند الأخفش ، كما تقدّم ، ومضارعها فيه الوجهان : الفتح - وهو القياس - والكسر . ولها نظائر من الأفعال تأتي إن شاء اللّه تعالى في آخر السورة ، ومعنها الظّنّ ، وقد تستعمل في اليقين ؛ قال : [ الطويل ] 1039 - حسبت التّقى والجود خير تجارة * رباحا إذا ما المرء أصبح ثاقلا « 1 » ومصدرها : الحسبان . وتكون غير متعدية ، إذا كان معناها الشقرة ، تقول : زيد ، أي : اشقرّ ، فهو أحسب ، أي : أشقر . قوله : « وَلَمَّا يَأْتِكُمْ » الواو للحال ، والجملة بعدها في محلّ نصب عليها ، أي : غير آتيكم مثلهم . و « لمّا » حرف جزم ، معناه النفي ؛ ك « لم » ، وهو أبلغ من النفي ب « لم » ؛ لأنّها لا تنفي إلّا الزمان المتّصل بزمان الحال . والفرق بينها وبين « لم » من وجوه : أحدها : أنه قد يحذف الفعل بعدها في فصيح الكلام ، إذا دلّ عليه دليل . وهو أحسن ما تخرّج عليه قراءة « وإن كلّا لمّا » كقوله : [ الوافر ] 1040 - فجئت قبورهم بدءا ولمّا * فناديت القبور فلم تجبنه « 2 » أي : ولمّا أكن بدءا ، أي : مبتدئا ؛ بخلاف « لم » فإنه لا يجوز ذلك فيها إلا ضرورة ؛ كقوله : [ الكامل ]
--> ( 1 ) البيت للبيد بن ربيعة في ديوانه ص 246 ؛ وأساس البلاغة ص 46 ( ثقل ) ؛ والدرر 2 / 247 ؛ وشرح التصريح 1 / 249 ؛ ولسان العرب ( ثقل ) ، والمقاصد النحوية 2 / 384 ؛ وأوضح المسالك 2 / 44 ؛ وتخليص الشواهد ص 435 ؛ وشرح الأشموني 1 / 156 ؛ وشرح ابن عقيل ص 213 ؛ وشرح قطر الندى ص 274 ؛ وهمع الهوامع 1 / 149 ، والدر المصون 1 / 522 . ( 2 ) تقدم برقم 230 .